السيد محمد تقي المدرسي

170

من هدى القرآن

السبيل إلى معرفة الوحي . ويمضي السياق في بيان حرص النبي على هداية قومه ، حتى ليكاد يهلك نفسه ، ويسليه بأن حكمة الله قضت بأن يكون الناس أحرارا ، وإلا فهو قادر على أن ينزل عليهم آية يكرههم بها على الإيمان ، ولكنهم لن يهربوا من جزاء أعمالهم . ويعود السياق يذكرنا بربنا الذي أنبت الأرض من كل زوج بهيج ، لعلنا نهتدي إلى ربنا بهذه الآية ، ونعرف أنه العزيز الرحيم ، ونعرف بالتالي أنه أرسل بعزته ورحمته أنبياء ، فقد أمر موسى عليه السلام بأن يأتي الظالمين من قوم فرعون ، ويحذرهم عذاب الله ، ولكن موسى خشي تكذيبهم ، وخاف أن يضيق صدره ، ولا ينطلق لسانه بكل معاني الرسالة ، وطلب أن يكون أخوه هارون معه رسولا ، وطلب العون من الله لمواجهة خطر الموت على يدهم ، لأنه قتل منهم شخصا ، وجاءه النداء : كلا . . وعاد الرب وأمره بالذهاب إليهم ، وطمأنهم بأنه سيكون معهم . بينات من الآيات : [ 1 ] طسم تحدثنا عن الحروف المقطعة في القرآن أكثر من مرة ، وقلنا : أنها إشارة إلى القرآن ، وأنها رموز بين الله وأوليائه . وجاء في الحديث المأثور عن الصادق عليه السلام : « وَأَمَّا طسم فَمَعْنَاهُ أَنَا الطَّالِبُ السَّمِيعُ المُبْدِئُ المُعِيدُ » « 1 » . [ 2 ] تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ تأتي هذه في الجملة الأغلب بعد الحروف المقطعة ، مما يدعونا إلى الاعتقاد بأن المعنى الظاهر لتلك الحروف هو الإشارة إلى القرآن وحروفه . [ 3 ] لأن إخلاص الرسول شديد لرسالة ربه ، وحرصه على مصلحة الناس عظيم ، فهو يكاد يهلك نفسه حينما يرى كفر الناس بالرسالة لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . [ 4 ] ولكن هل الرسول قادر على ما يريده من إيمان الناس بالرسالة من دون إذن الله ، كلا . . لأن الله منح الناس حرية القرار ، ولم يرد إكراههم على الإيمان ، ودليل ذلك أنه لا ينزل عليهم عذابا غليظا يجعلهم خاضعين للحق . إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ولكن ربنا شاء أن يؤمنوا بكامل حريتهم ، ولو أنزل عليهم عذابا فآمنوا خشية وقوعه عليهم لم يكن ينفعهم إيمانهم ، إنما

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 89 ص 373 .